على "المعبر"/محمد عبيد
عدد القراءات 105 2012-7-9 صحيفة الخليج الاماراتية
هناك في أخفض بقعة في العالم، حيث تتربع حفرة الانهدام على حدود فلسطين المحتلة مع الأردن، لا تكفي أفواج المسافرين عبر ثلاث نقاط حدودية، شمس الصيف الحارقة، ودرجات الحرارة التي تتمادى في ارتفاعها ابتداء من السابعة صباحاً، بل يتعدى الأمر ذلك إلى ما هو أشد وطأة . تحس بثقل دقائق الانتظار، وهي تمر عليك كساعة، وتتوالى الساعات، لتعيش أطول نهار في حياتك، تعاقب أشد أنواع العقاب، وكأنك متهم مجرّم برغبتك بالوصول إلى بلدك الأم المبتلاة بأبشع احتلال عرفه تاريخ البشرية .
على “الجسر” أو ما اصطلح على تسميته كذلك منذ كان ممراً للعابرين من فلسطين إلى الأردن، أو العكس، فوق نهر الأردن التاريخي، الذي بات حالياً مجرّد مجرى جفت مياهه التي صادرها المحتل، يعاني المسافر مرحلة انتقالية بين الجانبين الأردني والفلسطيني، يجثم على الطرف المحتل منها، ممر العبور “الإسرائيلي” نحو الوطن الحقيقة أو الحلم لا فرق تسمع أكثر من تعليق، وتشم رائحة التأفف في أنفاس الفلسطينيين المنتظرين انتهاء يومهم الشاق، ولسان حال الكثيرين منهم يلهج بالمثل الشعبي الأثير عن “يوم الطحّان” المضني، الذي لا يعدو بالنهاية كونه يوماً كغيره، وإن اختلفت المشقة .
في الجانب الأردني من المعبر تلمس سرعة في إجراءات المغادرين، لكنك تصطدم بحقيقة مرة تدركها جيداً، وإن حاولت تناسيها، مفادها أن الاحتلال لن يسمح لك بالعبور هكذا، ببساطة أو من دون مشقة وعقبات، عدد من المسافرين لا يتجاوز مع ساعات الصباح أربعمائة أو خمسمائة، يتفنن جنود الاحتلال وضباط مخابراته في تصعيب يومهم، من خلال منع الحافلات التي تقلهم من التقدم إلا بأمر، يسبقه انتظار أول على قمة الجسر قد يستغرق ساعة أو ساعتين، وفي الحافلة، أمهات مرهقات، وأطفال استبد بهم الملل، لا مجال للخروج، والترقب سيد الموقف .
بعد هذا الانتظار تتقدم الحافلة متثاقلة باتجاه نقطة جديدة من نقاط المماطلة، ينزل الركاب تحت سقيفة معدنية في حر الصيف اللاهب، بانتظار تفتيش روتيني للحافلة، ومن ثم يصعدون، وينتظرون أمراً بمتابعة التقدم نحو المعبر “الإسرائيلي” . تتقدم الحافلة متثاقلة مجدداً، وتصل إلى باب حديدي، وتنتظر على مبعدة إشارة بالتقدم، قد يطول الانتظار، ومن ثم تصل المعبر، وينتظر المسافرون مجدداً، أمتعة على الأرض، ولحظة معركة البحث عن متاعك تقترب، يفتح باب الحافلة لتجد متاعك ملقى، تلملمه على عجل وتمر بمرحلتين بين تسليمه للمسؤولين عن أجهزة التفتيش الإلكترونية، ومراقبة جواز سفرك مرة أولى، ومن ثم الدخول إلى قاعة مراقبة الجوازات، قد تستغرق نصف ساعة أو ساعة، وربما أكثر، فكل ذلك معتمد على هوى الجندي، ومزاجيته، وأحياناً أوامر قيادته بالتمادي في تعذيب العابرين . وعندما تدخل القاعة تفاجأ بحرارتها، وبحجم المنتظرين، الذين لا يجدون سبيلاً غير الصبر على تلكؤ عناصر المخابرات الجالسين خلف الزجاج، الذين لا يوفرون فرصة مماطلة أو تأخير، وعندما يصلك الدور قد تفاجأ بأسئلة لا تخطر لك على بال، وبعد مرورك، قد تصطدم ثانية بطلب الانتظار لتفتيش متاعك يدوياً، أو انتظار ضابط المخابرات، الأمر الذي قد يمتد لساعات تنتهي ب”الإفراج” عنك من دون سؤال واحد أحياناً، فتتقدم وأمامك فقط باب أخير باتجاه حافلة ستقلك إلى الجانب الفلسطيني في أريحا، تخرج نفساً طويلاً احتجزه صدرك طوال الرحلة، فما بقي لا يذكر، 5 دقائق بالحافلة حتى أريحا، وأقل من دقيقة لتدقيق جواز سفرك على الجانب الفلسطيني، تنتهي الرحلة المثقلة ب”بارانويا” الاحتلال، التي لا تتجاوز مسافتها من الأردن إلى فلسطين كيلومترات، بعد ساعات استهلكها المعبر الاحتلالي، فهل يتخيل أي مسافر فوق البحار أن يواجه عُشر هذا الإجرام المنظّم؟
|
اقرأ أيضاً
| يمكنك الإنتقال إلى الصفحات : |
| |
|