كيف تتعامل إسرائيل مع اتهامها باغتيال عرفات؟
عدد القراءات 260 2012-07-24
بقلم : آمال شحادة - القدس المحتلة  في 21 أيلول (سبتمبر) 2002 كتب رئيس كتلة «السلام» الإسرائيلية، أوري افنيري، الذي عرف بصداقته الحميمة مع الرئيس الفلسطيني الراحل، ياسر عرفات، انه يشكك في ما إذا كان (عرفات)، سيبقى على قيد الحياة حتى ينهي كتابة مقالته، ملمحاً ومحذراً من أن حياة القائد الفلسطيني مهددة بالموت كل لحظة. وقال أفنيري يومها إن عرفات الآن حي، لكن حياته هذه مرتبطة «بشعرة» لأن كل من يعرف شارون (رئيس الحكومة الإسرائيلية في فترة وفاة عرفات) يدرك انه لم يتخل عن هدف يضعه أمامه. فإذا لم يحصل عليه في محاولته الأولى يجرب ثانية وثالثة ورابعة ولا يتنازل.
تصفية عرفات كانت احد ابرز أهداف آرييل شارون، وقد سبق أن حاول التخلص منه خلال حرب لبنان 19 مرة وفشل.
افنيري في حينه دوّن أقواله هذه تحت عنوان «قتل عرفات»، وذلك بعد عودته من زيارة للرئيس الفلسطيني في أثناء حصاره في المقاطعة في رام الله ومشاهدته الكثير مما لم يطمئنه. وأبرز ما لفت افنيري أن الحراسة من حول عرفات كانت ضعيفة وغير منظمة، فيما الرئيس الفلسطيني لا يتردد في التجاوب مع رغبة ضيوفه في تقبيله، حتى أولئك الذين لا يعرفهم. والضيوف آنذاك، عند حصار المقاطعة، كانوا يتوافدون إليه على مدار الساعة وكانوا يشكلون سنداً قوياً وداعماً لصموده.
أوري افنيري عبّر عن تخوفه من قيام شارون باغتيال عرفات مذكراً بأن قادة إسرائيل، وشارون على وجه الخصوص، استهدفوا عرفات واعتبروه عقبة كأداء أمام مشاريعهم التوسعية ونعتوه بالإرهابي. وكانت ابرز المحاولات في حرب لبنان الأولى، حيث كلفت وحدة خاصة بهذه المهمة، وتم توفير كل ما يلزم لتحقيق الهدف، بما في ذلك طائرة تحوم في الجو ساعات طويلة كل يوم. وقال افنيري: «شارون لا يريد طرد عرفات إلى غزة أو أي مكان آخر في العالم. شارون يريد طرد عرفات من «الدنيا» والآن الظروف تتيح له تنفيذ ذلك».
افنيري في حينه حذّر، في أكثر من مناسبة أُتيحت له فيها فرصة الحديث عن عرفات، من خطر قيام إسرائيل باغتياله ولذلك نجده اليوم، وبعد الكشف عن تسميم عرفات وتحميل الموساد الإسرائيلي موته يعلن انه لم يفاجأ بالتقرير الذي يشير إلى إدخال مادة من نوع «بولونيوم 210» إلى طعام عرفات واستهتر بالرد الإسرائيلي على تقرير تسميمه.
في إسرائيل قلة عبّرت عن مواقفها تجاه التقرير الذي يثبت وفاة عرفات مسمماً، لكن كل من تحدث استعاد الأحداث والعلاقات التي كانت تربط شارون مع عرفات وتصريحاته وتهديداته للرئيس الفلسطيني، التي كان يطلقها في كل مناسبة تتاح له. ففي حينه اتهم شارون عرفات بأنه مسبب انتفاضة الأقصى المسلحة وما رافقها من عمليات تفجير استهدفت مئات المدنيين الإسرائيليين وبأنه يحرض الفلسطينيين على إسرائيل وقال بلغة تهديدية صريحة عام 2001 انه لم تعد لعرفات بوليصة تأمين، وهو ما فسره الكثيرون بالتهديد المباشر بقتل عرفات.
وهذه التهديدات احد أسباب عدة يشير إليها اليوم أوري افنيري وتؤكد أن شارون كان ينوي اغتيال عرفات.
ويقول افنيري: «لمجرد أن الفحوص التي أُجريت في المستشفى العسكري في فرنسا لم تكشف عن سبب للانهيار المفاجئ لصحة عرفات وموته كما لم يتم الكشف عن مرض خطير، فإن ذلك يدعو للاعتقاد بأن ثمة من كان وراء ذلك». أما ماكينة الإعلام الإسرائيلي، في رأي افنيري، فأسلوبها في التعامل مع وفاة عرفات يؤكد علاقة إسرائيل بموت الرجل، إذ أنها سارعت إلى الترويج لإشاعات حول إصابة عرفات بمرض خطير ومنهم من ذكر إصابته بـ «الايدز»، وهذه الحملة الإعلامية كانت منظمة وأُديرت ضد عرفات يومياً ولسنوات عدة وصلت ذروتها عندما بدأ وضعه الصحي يتدهور وظهرت ملامح غريبة لتأثير المرض. ووفق افنيري: «طالما لا يوجد سبب واضح للموت فمؤكد وجود سبب غامض».
التصفية سياسية
الإسرائيليون حولوا التقرير الذي يشير إلى تسميم عرفات إلى حملة هجوم على الفلسطينيين، وما أن أعلنت زوجته سهى أنها تنوي إخراج رفاته لإجراء الفحوص عليها حتى حولوا تحريضهم ضد سهى وقرار إخراج الجثة. ووفق الخبير عوديد غرانوت، وهو أيضا من الشخصيات الإسرائيلية التي التقت عرفات في أثناء حصاره في المقاطعة، فإن الرئيس الفلسطيني الذي توفي قبل ثماني سنوات ما زال حياً في ذاكرة كثيرين من الفلسطينيين الذين كانوا على قناعة منذ وفاته بأن إسرائيل قامت بتصفيته. وحذر غرانوت من إبعاد إثبات أن عرفات مات بإدخال السم إلى طعامه... طارحاً في الوقت نفسه سؤالين حول هذا التقرير:
«ما الذي دفع الأرملة، (يقصد سهى عرفات) المتورطة في مصاعب مالية ونزاعات مع السلطة ومع دول عربية عدة أخرى، إلى الانتظار ثماني سنوات حتى تمتشق من خزنة محاميها ملابس المستشفى وتنقلها إلى «الجزيرة» لإجراء التحقيق؟ ناهيك عن أن سهى عرفات كانت هي التي عارضت في حينه بكل حزم إجراء تشريح الجثة بعد الوفاة مباشرة»... السؤال الثاني يتهم فيه مقربين من عرفات وقال: «إذا فرضنا أن يد إسرائيل في الفعلة، فهل كان بوسعها أن تتدخل في غذاء عرفات من دون مساعدة معاونين من الدائرة المقربة منه؟».
ويرى الإسرائيليون أن ترويج التقرير الذي بثته قناة «الجزيرة»، لا يهدف فقط إلى توريط إسرائيل في قتل زعيم فلسطيني إنما أيضا توريط السلطة الفلسطينية وإحراجها، والتي تحقق منذ ثماني سنوات في ملابسات وفاة عرفات ولم تفلح في ذلك. واقتبس الإسرائيليون في هذا الجانب تصريح صلاح البردويل، القيادي في «حماس» الذي قال أن «أيادي فلسطينية ضالعة في القتل»، فيما ألمح آخرون الى انه يجب تقديم لجنة التحقيق التي أقامها أبو مازن إلى المحاكمة.
الإعلامي شاي غولدن كتب في صحيفة «معاريف» تحت عنوان «إرث عرفات»: «التصفية سياسة انتهجتها حكومات إسرائيل منذ بضعة عقود. بدايتها كانت مع رئيسة الحكومة غولدا مئير عندما أمرت «الموساد» (جهاز المخابرات الإسرائيلية الخارجي)، بوجوب تصفية كل من شارك في قتل الرياضيين الإسرائيليين الأحد عشر في ميونخ». هذه وفق غولدن، كانت النقطة التي تقرر فيها في إسرائيل اختيار تكتيك التخلص من أعدائها – سواء كخطوة وقائية أم كخطوة ثأرية – إلى أن صار تكتيكاً مركزياً في نشاطها الأمني والاستخباري. هذه الطريقة القتالية بلغت ذروتها في فترة الانتفاضة الثانية، التي تم خلالها تصفية أكثر من أربعمئة فلسطيني من «نشطاء الارهاب»على أيدي الجيش والمخابرات الإسرائيلية، على حد تعبير غرانوت الذي أضاف: «بقدر ما هو معروف لم تحاول إسرائيل أبدا تصفية رئيس دولة عدو، سواء انطلاقاً من عُرف الحذر في عضويتها في أسرة الشعوب، التي بالتأكيد ما كانت لترى بعين الإيجاب هذا الأمر، أو انطلاقاً من الخوف من إحداث حرب إقليمية واسعة، أو بسبب المصاعب العملياتية الكبيرة التي ينطوي عليها مثل هذا العمل...
ويذكر غولدن انه وفق تقديرات محافل استخبارية أجنبية، نشرت في العالم، فقد تدربت فرقة إسرائيلية على عملية تصفية صدام حسين، ولكن الخلل التنفيذي الجسيم الذي عرف باسم «مصيبة تسئاليم» أحبط تنفيذ العملية (في حينه سقط صاروخ على مجموعة من المقاتلين فقتل خمسة منهم). ولو كانت الحملة انطلقت على الدرب ونسبت إلى الجيش الإسرائيلي، لكان هذا كفيلاً بأن يكون درساً مشوقاً جداً لإسرائيل ولدول أخرى في العالم حول التصدي لآثار عمل جسيم بهذا القدر في منطقة عنيفة وقابلة للانفجار. عندما توفي، كان ياسر عرفات رئيساً لكيان فلسطيني غير ذي سيادة، يعوزه اعتراف دولي في المؤسسات القانونية والديبلوماسية، لكنه يستقبل في العالم بأسره بل وفي إسرائيل كزعيم للشعب الفلسطيني.
وينصح غولدن قيادة بلاده بأن تبدأ الاستعداد لنتائج جديدة للتقرير تحسم أن إسرائيل تقف وراء تسميم عرفات ويقول: «إذا كانت إسرائيل قامت بتصفية عرفات عام 2004 حقاً، فسيتعين عليها أن تتحمل نتائج فعلتها في العام 2012 وفي الأعوام التالية أيضا. فالضرر الفوري المحتمل، وفق توقعات الكاتب، هو إشعال جولة عنف أخرى في المستقبل القريب على خلفية هياج فلسطيني وطني.
خطر آخر يبدو للعيان هو تحول رئيس وزراء إسرائيلي هدفاً مشروعاً للمنظمات الفلسطينية. مثل هذا المس كفيل بأن يلقى مفعولاً شرعياً في الخطاب الدولي على خلفية تصفية عرفات، حتى لو لم تبدأ جولة عنف وحتى لو نجحت حكومة إسرائيل في الدفاع عن حياة كبار رجالاتها من عمليات ثأر، فلا يزال السور عالياً بين الشعبين، سور يقزم فرص حل النزاع، وسيرتفع أكثر في ظل اغتيال عرفات.
|
اقرأ أيضاً
| يمكنك الإنتقال إلى الصفحات : |
| |
|