صحيفة الخليج الاماراتية
في الزيارة الخاطفة التي قامت بها وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون إلى “إسرائيل” في 16 يوليو/تموز الماضي، تمنَّت على المسؤولين في الدولة العبرية التنسيق الدائم، خصوصاً في لحظة التغيير التاريخية التي تشهدها المنطقة . أعقب الزيارة تراكضٌ أمريكي (ديمقراطي وجمهوري) باتجاه تل أبيب، شمل وزير الدفاع ليون بانيتا، ومستشار الأمن القومي توم دونيلون، والمرشح الرئاسي الجمهوري ميت رومني، في تسابق ملحوظ على كسب وِدّ أصوات اللوبي اليهودي في الانتخابات الأمريكية المقبلة . مهما يكُن من أمر، فإن الحسابات الانتخابية الأمريكية ليست معزولة في مندرجاتها عمّا يجري على مستوى العلاقات الدولية المتوترة بين الشرق والغرب، وهي ليست بمنأى عن التطورات الكبيرة التي حصلت في بعض الدول العربية، وتحديداً عمّا يجري في سوريا، وانعكاس المصالح الدولية على ما يحصل في سوريا كان جلياً في العناد الروسي- الصيني- الإيراني مقابل لامبالاة أمريكية، أو غربية بشكلٍ عام . كيف يبدو التشخيص الأمريكي للحظة التغيير التاريخية؟ وما هي مرتكزات رؤية واشنطن لما يجري؟
مهارة البراغماتية الأمريكية حوَّلت الهزيمة إلى نوع من أنواع الانتصار، وسارعت الدعاية الأمريكية إلى تصوير واشنطن كأنها مساعد مُنقذ للشعوب من الديكتاتوريات، رُغم أن جزءاً من مكامن الغضب الشعبي العربي في دول الربيع موجهٌ ضد السياسة الأمريكية، لأنها حَمَت واحتضنت أصدقاءها (من قادة الانقلابات) المخلوعين، في تونس وليبيا ومصر واليمن على مدى عشرات السنين، غير آبهة بمشاعر الشعوب الفقيرة والمُضطهدة والمُهمَّشة، وكانت الديمقراطية عندها شعارات تُستخدم في المناسبات لإرضاء النزعة الإمبراطورية لوكالاتها المُتخصصة في المراقبة، وفي دغدغة عواطف ناشطي المجتمع المدني، لا أكثر ولا أقل، وكذا كان الأمر بالنسبة إلى موضوع انتهاكات حقوق الإنسان .
ورؤية واشنطن للتغيير استندت أيضاً إلى احتواء طبقة المُنتخَبين الجُدُد، قبل أن ينسُجَ هؤلاء خريطة علاقات خارجية بعيدة عن الهوى الغربي . وقبل أن تتمكن الروح الاستقلالية من أن تأخذ راحتها الداخلية، بعيداً عن الوصايا الضرورية، لاسيما دُروس الحفاظ على التنوع، واحترام حقوق الأقليات، علماً أن هذه الأقليات عاشت مئات السنين في كنف الأكثرية، وفقاً للمواطنية (الوطنية والقومية)، من دون أن تتعرض لأي اضطهاد، وقبل أن تنشأ الدولة الأمريكية العظمى .
ورؤية واشنطن للحظة التغيير التاريخية ترتكزُ أيضاً وأيضاً على التنبُّه كي لا تصل الأهواء التغييرية إلى تهديد مستقبل “إسرائيل”، أو الإخلال بتفوقها العسكري الذي كفله الرئيس أوباما في خطابهِ السنوي، وأعلن رومني “أن استمرار هذا التفوق من ركائز سياسته الخارجية” لو قُدر له النجاح في الخريف المقبل، وهذه بالتأكيد رؤى المحافظين الجُدد الذين يمثلهم .
ويبدو أن دوزنة الموقف الأمريكي من الأحداث الدامية في سوريا وفقاً لوتيرة هادئة - حيث ربطت نزاعاً مع موسكو دون أن تُحدِث خرقاً (قادرةً عليه) في جدران الكرملين السميكة - حكمة، خشية أن تتعارض الاندفاعة الأمريكية تجاه سوريا مع المصالح “الإسرائيلية” التي لا ترتاح إلى التغييرات الحاصلة، أو هي تخشى منها، وبالتالي فهي تفضلُ استمرار إراقة الدماء، إذا كان لا بُدّ من التغيير، ولم يبدُ أي انزعاج “إسرائيلي” من الموقف الروسي أثناء زيارة الرئيس فلاديمير بوتين إلى القدس نهاية يونيو/حزيران الماضي . وبناءً على هذه الرؤية يمكن فهم المفارقة الغريبة التي أعلن عنها بانيتا من تل أبيب، وهي: “ضرورة حماية الأسلحة الكيميائية والبيولوجية السورية كي لا تصل إلى أيدي حزب الله وتنظيم القاعدة”، في خلطٍ غريب عجيب للتناقضات والأضداد . لحظة تغيير تاريخية . . . صحيح، ولكن وفقاً لأيةِ رؤية؟