| ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
عدد القراءات 274 2012-08-18 المفكر الفلسطيني داود تلحمي
في ردّه على أسئلة «الهدف» بشأن آفاق وحدة اليسار وتطوره:
■ المهم هو تفعيل دور اليسار و تطوره وحضوره
■ السار جزء من الحركة الوطنية، لكن لديه مهمات خاصة إضافية
■ وحدة اليسار لا تتمّ بقرار إداري
أعتقد أن السؤال المهم الذي تفرضه المرحلة الراهنة يتعلق بتفعيل و تطوير دور اليسار أكثر منه بإنجاز صيغة توحيد لأطره و مكوناته القائمة حالياً.
صحيح أن اليسار الفلسطيني كان له حضور ملموس ومؤثر في مسار العمل الوطني الفلسطيني خلال السبعينيات و الثمانينيات. لكن هذا الدور تراجع في مطلع التسعينيات، من جهة، بسبب انعكاسات انهيار تجربة الاتحاد السوفييتي للتحول نحو الاشتراكية، وهي انعكاسات لم تقتصر على الساحة الفلسطينية و لا الساحات العربية وحدها، بل شملت قوى اليسار في العالم كله تقريباً. ومن جهة أخرى، أوجد اتفاق أوسلو والاتفاقات اللاحقة المبنية عليه وضعاً جديداً تماماً في الساحة الفلسطينية، بحيث أدت هذه الاتفاقات بمفاعيلها، خاصة بعد اتضاح انسداد آفاق الوصول إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي في أمد منظور، إلى مأزق وطني شامل و إلى إحباطات واسعة على الصعيد الشعبي، سواء في أقطار اللجوء و الهجرة ، حيث شعر الفلسطينيون هناك في وقت مبكر بتهميش قضيتهم و حقهم في العودة، أو في الوطن نفسه حيث استمر الاحتلال الإسرائيلي للقدس ومجمل الضفة الغربية لا بل تكثف الاستيطان في عموم الأراضي المحتلة بوتائر غير مسبوقة. بحيث تضاعف عدد المستوطنين في القدس والضفة خلال السنوات العشر الأولى التي تلت اتفاق أوسلو، واستمرت وتيرة الاستيطان بشكل مضاعف بعد ذلك إلى أن وصل عدد المستوطنين مؤخراً، حسب بعض المصادر الجادة، إلى ما يقارب الثلاثة أرباع مليون مستوطن في القدس الشرقية و مجمل الضفة الغربية المحتلة عام 1967. و لا يبدو إلى الآن أن هناك نية لدى القوى السياسية الصهيونية المقررة، بمختلف تلاوينها، للتخلي عن هذه الأراضي في ظل موازين القوى الراهنة في المنطقة.
اليسار جزء من الحركة الوطنية، لكن لديه مهمات خاصة إضافية
طبعاً، مصير اليسار مرتبط بمصير مجمل الحركة الوطنية الفلسطينية، التي هو جزء لا يتجزأ منها. ولكن لليسار مهمات إضافية إلى جانب المهمة الوطنية المشتركة مع كل قوى التحرر الوطني الأخرى، وهي تتعلق بالدفاع عن مصالح القطاعات التي تتعرض للمستوى الأعلى من الغبن في مجتمعنا، قطاعات الشغيلة والكادحين و المهمّشين في المدن والأرياف و المخيمات. مما يستدعي أن يبذل اليسار جهده لتحقيق أكبر قدر ممكن من الإنصاف و الحياة الكريمة و العدالة الاجتماعية للمواطنين في ظل الظروف الراهنة، وإن كان الاحتلال وإجراءاته التعسفية تعيق حياة وتطور مجمل المجتمع و الشعب بكل شرائحه.
فالمسألة الرئيسية بالنسبة لقوى و مكونات اليسار هي بالتالي العمل من أجل تفعيل و تنمية دوره المجتمعي والوطني في إطار الوحدة الوطنية الضرورية في مرحلة التحرر الوطني.
الوحدة لا تتحقق بإجراءات إدارية
أما طرح فكرة توحيد القوى والتيارات والأفراد المنتمين إلى الخيار اليساري، فلا يمكن أن تتحقق بإجراءات إدارية أو بمجرد الرغبة في تحقيقها لدى طرف أو أكثر من هذا التيار. وعلى أية حال، فقد أظهرت كافة التجارب و المحاولات التي تعاقبت منذ مطلع الثمانينيات الماضية أن ذلك غير ممكن عملياً لأسباب لا تتعلق كلها بالساحة الفلسطينية حصراً. فالأمر نفسه ينطبق على ساحات عربية، مثل الساحة المصرية أو الساحة التونسية، وساحات غير عربية أخرى، وقد رأينا في الساحة اليونانية، على سبيل المثال لا الحصر، تعددية قوى اليسار وتنامي بعض أطرافها دون غيرها في مناخ الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة الراهنة، دون أن يكون هناك مجال لوصول هذه القوى بمجملها حتى إلى صيغ من التوافق و التنسيق، ناهيك عن التوحيد في ما بينها. وإذا كان هناك من جهد يمكن أن يكون مفيداً في هذا المجال في الأمد المباشر و القريب، فهو ينبغي أن يتركز، برأيي، على بناء صيغ تنسيق وعمل مشترك بين مكونات اليسار الفلسطيني، خاصة في العمليات الانتخابية، ذات الطابع الوطني أو المحلي أو النقابي و الجامعي، وفي الحملات المتعلقة بالقضايا الاجتماعية و الاقتصادية، كما في قضايا الدفاع عن الحريات و الحقوق الديمقراطية، ومن الممكن في المجال الأخير أن تشارك قوى أخرى حريصة على هذه الحريات. وحيثما أمكن، من المفيد التنسيق و العمل المشترك في الحملات المتعلقة بالشأن الوطني العام. فمثل هذا التنسيق و العمل المشترك، إذا ما تحقق، سيكون خطوة كبيرة إلى الأمام، خاصة إذا ما لمست القطاعات الشعبية المعنية لمس اليد ثمار هذا العمل المشترك وهذا التنسيق.
أما التفعيل و تطوير الدور الوطني بأفق أبعد مدىً فهما يرتبطان بقدرة أي طرف يساري، قائم أو يمكن أن يقوم، على شق طريقِ على الأرض يحمل طابعاً مبدعاً وإنقاذياً على صعيد القضية الوطنية وقضايا وهموم القطاعات الشعبية الكادحة في الوطن و أقطار اللجوء والهجرة. وهنا يكون المعيار الوحيد للنجاح هو درجة استجابة هذه القطاعات الشعبية لطروحات أو مبادرات كهذه وتلمسها لنتائجها. فالبرامج المبدئية والنظرية، و هي متوفرة لدى القوى اليسارية الرئيسية في الساحة الفلسطينية، لا تكفي و لم تعد وحدها كافية لإقناع الناس. فالمهم بالنسبة للجمهور الفلسطيني المعني هو ما يمكن أن يراه على الأرض و ما ينعكس مباشرة على مسيرته النضالية وعلى حياته اليومية وظروف عيشه، حتى في ظل الاحتلال والتشرد والهجرة.
وتبدو تجارب اليسار في أمريكا اللاتينية مهمة على هذا الصعيد. مع فارق بديهي أننا لسنا في وضع بلدانه المستقلة، وأن في وجهنا كابوس الاحتلال و التشويه الذي يُلحقه بمجمل الوضع الاقتصادي ـ الاجتماعي وتبديد فرص العمل و الحياة الطبيعية لدى المواطنين، ناهيك عن استمرار نهب الأرض ومحاصرة المناطق الزراعية واضطهاد المزارعين و ملا حقتهم في أنحاء الضفة الغربية في محاولات من الاحتلال و مستوطنيه لدفعهم للتخلي عن أراضيهم و الهجرة خارج وطنهم.
* * *
و لا شك أن هناك تقاطعات واسعة في المهمات و العمل الوطني المباشر بين مكونات اليسار و بين مجمل مكونات حركة التحرر الفلسطينية التي تعمل من أجل إنهاء الاحتلال و إنجاز الحقوق الوطنية الفلسطينية في هذه المرحلة التاريخية. ولكن هناك مجالات عمل لليسار يمكن أن يختلف فيها هذا الطرف أو ذاك في الساحة الوطنية او في المجتمع الفلسطيني. وبالتأكيد، هناك وسائل للتحكم بهذه الاختلافات بحيث لا تؤثر على علاقات التحالف الوطني الواسعة في مرحلة التحرر، وفي الوقت نفسه لا تجعل اليسار يتخلى عن مهماته التاريخية في الدفاع عن مصالح قطاعات الشغيلة و الكادحين و المهمشين من الشعب. و ليس الأمر مقتصراً هنا على المصالح الاستراتيجية وطويلة الأمد لهذه القطاعات التي تشكل الغالبية الكبرى من الشعب، بل على المصالح الآنية و قصيرة الأمد، و التي يمكن أن تدخل في نطاق ضمان الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية و الحياة الكريمة وتقاسم العبء و التضحيات بشكل شبه متوازن بين قطاعات الشعب المختلفة، حتى في مرحلة التحرر الوطني.
فليس صحيحاً أن يقال أن القضايا الاجتماعية والحياتية مؤجلة لما بعد التخلص من الاحتلال أو أن من الضروري التضحية بها بحجة أولوية العمل الوطني ضد الاحتلال. و مرة أخرى، يتعلق الأمر بتقدير متوازن للمصالح الآنية للقطاعات الشعبية بحيث لا تمس، و هي عادة لا تمس، بالمصالح العامة الاستراتيجية و طويلة الأمد للشعب. لا بل إن ضمان هذه المصالح الآنية وهذه الحياة الكريمة يجعل هذه القطاعات الشعبية أكثر قدرة على مواصلة الصمود والمشاركة في العملية الكفاحية من أجل إنجاز الأهداف الوطنية.
ولا يتعلق الأمر طبعاً لا بشق طريق التحول الاشتراكي و لا بفرض خيارات اليسار على مجمل الشعب في هذه المرحلة التاريخية. وذلك، بالطبع، غير ممكن في ظروف الاحتلال و في الوضع المحيط حالياً بمناطق التواجد الفلسطيني. وهو غير مطلوب وغير واقعي. لكن هناك فرق كبير بين استبعاد هذا الطموح الإرادوي الطوباوي وبين التخلي عن الدفاع عن قضايا القطاعات الشعبية المغبونة و المستغَلة وإنصافها النسبي في الأمد المباشر و المرئي.
و لجليلنا الذي عاش مراحل صعود قوى اليسار وحركات التحرر الوطني التقدمية في العالم في الربع الثالث من القرن العشرين، يمكن القول إن الحنين للماضي وحده لا يحل المشكلة ولا يُخرج اليسار الفلسطيني، و العربي عامةً، من حالة التراجع التي يعيشها. فالأوضاع العالمية والإقليمية و معطيات الصراع في ساحتنا اختلفت كثيراً عما كانت عليه في تلك الحقبة التاريخية، و هو اختلاف ليس بالضرورة كله باتجاه سلبي.
و اليسار الذي ينجح هو ذلك الذي يقدم الإجابات الناجعة على الواقع الذي يعيشه شعبه في المرحلة المعنية. ولذلك، و على ضوء رؤيتنا لبعض التجارب الرائدة في عالمنا المعاصر، وخاصة، ما سبق وذكرنا، في أميركا اللاتينية، بإمكاننا أن نقول إن الإبداع في العمل على الأرض و في الإجابة العملية على المعضلات المطروحة راهناً هو الذي يعيد الاعتبار لقيم وطروحات وخيارات اليسار في ساحتنا. و الإبداع هنا ليس حديثاً عن تغيير التعابير اللغوية أو الخطاب المستعمل ولا يتعلق بتطوير في البرامج المكتوبة أو المطروحة شفهياً، بل كما سبق و أشرنا، هو إبداع في الممارسة الفعلية والمرئية من الناس المعنية بطروحات اليسار، وهي، كما ذكرنا، غالبية كبيرة من الشعب.
أما إذا كان شق مثل هذا الطريق سيقود بعد ذلك إلى توحيد اليسار. فتلك مسألة نظرية، برأيي غير جوهرية بحد ذاتها. فمن الممكن أن تحقق الممارسة وحدة جزئية أو كاملة لمكونات اليسار عبر العمل المشترك، و من الممكن ألا تتحقق وحدة شاملة وتبقى بعض المكونات اليسارية متعايشة في ما بينها، و هذا ليس أمراً مأساوياً بحد ذاته. فقد رأينا، مثلاً، في تجربة فنزويلا الراهنة، أن الحزب الاشتراكي الموحد الجديد تمكن من جمع العديد من القوى و المكونات، في حين حرصت بعض القوى اليسارية القائمة على البقاء مستقلة، وان متحالفة مع الحزب الجديد، و لم يؤثر ذلك لا على التجربة اليسارية بمجملها في البلد ولا على وضع الأطراف اليسارية نفسها.
ففي كل الأحوال، فإن زمن القهر والإرغام و الإرادوية البيروقراطية قد ولّى، وزمن الحزب الواحد و الزعيم الواحد و الحقيقة الواحدة بات في ذمة التاريخ، حتى في منطقتنا العربية التي كانت تبدو، حتى العام الماضي، عصية على تجاوز هذه المرحلة من الاستبداد و التفرد في الحكم والسيطرة. ومرة أخرى، لا جدوى من الحنين إلى هذه الصيغ الماضية من الحكم أو ادعاء احتكار الحقيقة وامتلاك خارطة الطريق الصائب، وهي صيغ كانت في النهاية من بين أسباب إخفاق عدد من التجارب اليسارية الماضية، في العالم كما في منطقتنا، و لا أعتقد أن أحداً من المتمسكين بقيم ومبادئ وتطلعات اليسار يسعى إلى تكرار ما أثبت التاريخ أنه غير مجدِ، إلا بشكل جزئي ومؤقت، ولا يحقق في نهاية المطاف الهدف المرجو.
|
| |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||